ابن هشام الأنصاري
185
شرح قطر الندى وبل الصدى
« [ 63 ] » - كأنّي من أخبار إنّ ، ولم يجز * له أحد في النّحو أن يتقدّما ويستثنى من ذلك ما إذا كان الخبر ظرفا ، أو جارّا ومجرورا ؛ فإنه يجوز فيهما أن يتوسط ؛ لأنهم قد يتوسّعون فيهما ما لم يتوسّعوا في غير هما [ كما ] قال اللّه تعالى : إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً « 1 » إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى « 2 » . واستغنيت بتنبيهي على امتناع التوسط في غير مسألة الظرف والجار والمجرور عن التنبيه على امتناع التقدم ؛ لأن امتناع الأسهل يستلزم امتناع غيره ، بخلاف العكس . ولا يلزم من ذكري توسيطهم الظرف والمجرور أن يكونوا يجيزون تقديمه ؛ لأنه لا يلزم من تجويزهم في الأسهل تجويزهم في غيره « 3 » . * * *
--> ( [ 63 ] ) - هذا البيت كما قال المؤلف لابن عنين وهو شرف الدين أبو العباس محمد بن نصر الدين بن نصر بن الحسين بن عنين ، الأنصاري ، الكوفي الأصل ، الدمشقي المولد والوفاة ، ولد بدمشق في سنة 539 وتوفي بها في سنة 630 من الهجرة ، وليس ابن عنين ممن يحتج بشعره في قواعد النحو والصرف واللغة ، ولكنك ترى أن المؤلف لم ينشده للاستشهاد به على شيء من ذلك ، وإنما أنشده استظرافا لمعناه ، ولأنه تضمن بعبارته بيان قاعدة نحوية . الإعراب : « كأني » كأن : حرف تشبيه ونصب ، وياء المتكلم اسمه « من أخبار » جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كأن ، وأخبار مضاف ، و « إن » قصد لفظه مضاف إليه ، وكل كلمة قصد لفظها تصير اسما « ولم يجز » الواو حرف عطف ، لم : حرف نفي وجزم وقلب « يجز » فعل مضارع مجزوم بلم « له » جار ومجرور متعلق بيجز « أحد » فاعل يجز « في النحو » جار ومجرور متعلق بيجز أيضا « أن » حرف مصدري ونصب « يتقدما » فعل مضارع منصوب بأن ، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى أحد الذي هو فاعل يجز ، والألف للإطلاق ، وأن مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر منصوب مفعول به ليجز . ( 1 ) من الآية 13 من سورة المزمل . ( 2 ) من الآية 26 من سورة النازعات . ( 3 ) إذا كان خبر إن أو إحدى أخواتها ظرفا أو جارا ومجرورا فإنه لا يجوز تقديمه على « إن » لأن هذه الأحرف ضعيفة ؛ لكونها لم تعمل بالأصالة ، وإنما عملت بالحمل على الأفعال لتضمنها معاني الأفعال ، فإن - مكسورة أو مفتوحة - تتضمن معنى أؤكد ، ولعل تتضمن معنى أترجى ، وليت تتضمن معنى أتمنى ، ولكن تتضمن معنى أستدرك ، وكأن تتضمن معنى أشبه ، هكذا ، والعامل الضعيف لا يقوى على العمل فيما يتقدم عليه ، وأما توسط هذا الخبر - أي الظرف ، أو الجار والمجرور - بين إن واسمها فهو على ثلاثة أوجه ، الوجه الأول ما لا يجوز ذلك فيه بل يجب تأخره ، وذلك إذا اقترن بلام الابتداء نحو قولك « إن زيدا لفي الدار » والثاني ما يجب توسطه ، -